الحلقة 5: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟

الحلقة 5: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟

Reveries by Maxfield Parrish 1913

مرحبًا وأهلًا بك في الحلقة الخامسة من برنامج "أسئلة عن الله". في هذه الحلقة الخامسة، سنتأمل في السؤال التالي: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ كنت أستمع إلى شخص يتحدث عن سبب قراره ألّا يؤمن بالله، فقال أمرا لفت انتباهي كثيرًا. قال: "أفضل أن أعيش الحياة التي أعلم أنني أملكها الآن، بدل أن أعيش لما قد يكون ممكنًا بعد الموت." هل يمكنك أن تتخيل الصدمة التي سيختبرها ذلك الشخص عندما بعد ثوانٍ قليلة من موته يكتشف أن هذه الحياة كانت لأجل الاستعداد لملاقاة الله ومساعدة الآخرين على فعل الشيء نفسه، لكنه خسر كل شيء إلى الأبد لأنه أضاع الحياة التي أُعطيت له على وجوده القصير جدًا هنا على الأرض.

ليس بعيدًا عن بيتي توجد شجرة بلوط ضخمة أُقدّر أن عمرها يقارب مئتي سنة. كل بضع سنوات تُتمر ثمار البلوط تسمى جوزة البلوط. ثمار البلوط تغطي العشب تحت الشجرة. واحدة فقط من كل ألف جوزة البلوط  تنجح في الإنبات لتصبح شجرة صغيرة. أما الباقي ففيه شرارة حياة صغيرة تموت ببطء، ثم تتفتت وتعود إلى التربة.

لن يكون من المفيد أن نناقش معنى أن تكون شجرة بلوط إذا كنا سنتحدث فقط عن جوز البلوط. ومع ذلك يفعل معظم الناس شيئًا مشابهًا عندما يتحدثون عن معنى أن تكون إنسانًا، إذ يركزون فقط على هذه الحياة الفانية الآن. لكن ماذا لو كانت هذه الحياة مجرد بداية لشيء أعظم بكثير، مثل بلوطية تنمو لتصبح شجرة بلوط شامخة؟ عندما أنظر إلى الناس المارين في الشارع، أتساءل: كم منهم يعيش كما لو أن هذه الحياة هي كل ما يوجد مثل جوز البلوط التي لا تتحول دائما إلى أشجار ويبددون حياتهم الثمينة تدريجيًا؟ فلنفكر لدقيقة أو اثنتين في معنى أن تكون إنسانًا، ليس فقط مرحلة "البلوطية" من هذه الحياة، بل مرحلة "شجرة البلوط العظيمة" الأبدية.

الفيلسوف الإنجليزي والأستاذ الشهير في الأدب سي. إس. لويس يعطينا لمحة صغيرة عمّا يعنيه حقًا أن نكون إنسانا. يقول:

" تذكّر أن أكثر شخص ممل وغير مثير للاهتمام يمكنك أن تتحدث إليه قد يصير يومًا ما مخلوقا لو رأيته لوجدت نفسك ميّالًا بقوة إلى عبادته، أو يصير رعبًا وفسادًا لا تراه الآن إن رأيته أصلًا إلا في كابوس".

كان لويس يريد أن يوضح أننا جميعًا لنا واحد من مصيرين أبديين لا ثالث لهما، وربما نُقلّل كثيرًا مما خلقنا الله لنكونه في الأبدية. عندما نقرأ أن الله خلقنا على صورته ومثاله، غالبًا ما نفكر في رأس وذراعين وساقين، لكن القرود لها ذلك أيضًا! إذًا ماذا يعني قول الله إنه خلقنا على صورته ومثاله؟ في الكتاب المقدس يقدّم الله تصريحًا يكشف ممّ يتكوّن الإنسان الكامل، وما هي خطته للذين يضعون ثقتهم الكاملة في يسوع المسيح. يقول: "وإله السلام نفسه يقدسكم بالتمام، ولْتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح." كلمة "يقدس" تعني أن الله يريد أن يطهّر كل واحد منا، وأن يفعل ذلك بصورة كاملة. ويحدد أن الإنسان الكامل يتكوّن من روح ونفس وجسد. وبهذا يصبح كل إنسان نموذجًا ثلاثي الأجزاء يشبه الثالوث الذي هو ثلاثة أقانيم في إله واحد. وإن كان هذا صعب الفهم، فعلينا أن نتذكر أن الإله الحقيقي ليس كآلهة الديانات التي إخترعها البشر. فهذه يسهل فهمها كما نتوقع من أي شيء صنعه الإنسان.

البلوطية ليست سوى المرحلة الأولى من شجرة البلوط؛ أما المرحلة الثانية فهي مختلفة بشكل مذهل عن بلوطية صغيرة. وبالمثل، لا يمكننا أن نتخيل كيف ستكون المرحلة الثانية لشخص سلّم نفسه تمامًا بين يدي يسوع المسيح ليتطهر من العار والخطيئة، وقبل عطية الحياة الأبدية. لقد خُلقتَ كنفس أبدية، فالأبدية مع الله أعظم بكثير مما يستطيع البشر أن يتخيلوه. لكن معظم الناس يقضون حياتهم كلها كما لو أن هذه الحياة هي كل ما يوجد، مثل بلوطية ملقاة على أرض الغابة، شرارة الحياة فيها تخبو ببطء مع اقتراب نهاية وجودها القصير دون أن تدخل أبدًا المرحلة الثانية.

الكتاب المقدس يقول: "ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان: ما أعدّه الله للذين يحبونه." هل فكرت يومًا لماذا شعرت شعوب وثقافات كثيرة عبر التاريخ بأن هناك شيئًا بعد الموت؟ يكتب سي. إس. لويس:

"المخلوقات لا تُولد برغبات إلا إذا كان هناك ما يُشبع تلك الرغبات. الطفل يشعر بالجوع: وهناك شيء اسمه الطعام. وفرخ البط يريد السباحة: وهناك شيء اسمه الماء… إن وجدت في نفسي رغبة لا تستطيع أي خبرة في هذا العالم أن تُشبعها، فأرجح تفسير لذلك أنني خُلقت لعالم آخر. وإن كانت لذّاتي الأرضية لا تُشبعها، فهذا لا يثبت أن الكون خدعة. غالبًا لم تُقصد اللذّات الأرضية أن تُشبعها، بل أن تُوقظها، وأن تشير إلى الشيء الحقيقي. إن كان الأمر كذلك، فعليّ من جهة ألا أحتقر هذه البركات الأرضية ولا أكون جاحدًا لها، ومن جهة أخرى ألا أخلط بينها وبين ذلك الشيء الآخر الذي هي مجرد نسخة منه أو صدى أو سراب. يجب أن أبقي في داخلي حيًّا الشوق إلى وطني الحقيقي الذي لن أجده إلا بعد الموت؛ يجب ألا أدعه يُدفن أو ينحرف؛ يجب أن أجعل هدف الحياة الأساسي هو التقدم نحو ذلك الوطن ومساعدة الآخرين على فعل الشيء نفسه." 

مأساة البشرية أن معظم الناس لن يكونوا كشيء مدهش وعظيم إلى الأبد. قال مرة يسوع: " اُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!" الباب الضيق هو يسوع المسيح، وقرار عبور ذلك الباب يعتمد على ما إذا كنا سنضع إيماننا وثقتنا الكاملة في يسوع المسيح باعتباره الوحيد القادر أن يفدينا من العار والمهانة والموت. قال يسوع: "إن لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم." لاحظ أن يسوع استخدم اسم الله: "أنا هو". وكما رأينا في حلقة سابقة، قال الأنبياء القدماء إنه في يوم ما سيُولد المسيح كصبي صغير، وسيظهر بيننا كابن الإنسان، وستوضع كل خطايانا عليه.

لكن الخطوة الأخيرة متروكة لنا. يجب أن نقرر إن كنا سنضع إيماننا الكامل في يسوع المسيح. لدينا هذه الحياة القصيرة فقط لنقبل هذه العطية من الله، ولا وقت للتأجيل. وقد عبّر يسوع عن هذه العجلة نفسها عندما صرخ:

"يا أورشليم، يا أورشليم… كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا!"

ثمار شجرة البلوط لا خيار لها، أما نحن فلنا خيار: إما أن نقبل عطية الحياة الأبدية أو نرفضها. في هذه الحياة نحن "ظلال وصور مكسورة " لإله القدرة، خالق الكون ومنبع الكرامة والجمال والمحبة والقوة، لكنك لست مضطرًا أن تبقى هكذا. قال يسوع: "هأنذا واقف على باب نفسك وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي.”

إذا كان لديك أي أسئلة، يمكنك معرفة المزيد من خلال هذا الموقع

الحلقة 4 - الأدلة التاريخية على صلب وقيامة يسوع المسيح من الموت

الحلقة 4 - الأدلة التاريخية على صلب وقيامة يسوع المسيح من الموت

0