الحلقة 4 - الأدلة التاريخية على صلب وقيامة يسوع المسيح من الموت
Gravel Pits Farm by George Marks, circa 1922
نرحب بكم في الحلقة الرابعة من سلسلة أسئلة عن الله.
في عام 33 ميلادية وقع حدث محوري في مدينة أورشليم ترك تأثيرا بالغا في مجرى التاريخ البشري. في غضون سبعة أسابيع فقط من صلب يسوع المسيح آمن آلاف الأشخاص بقيامة يسوع من الموت وذلك بعد أن شهدوا علنا تنفيذ عملية الصلب قبل خمسة أسابيع فقط من ذلك. على مدى 30 عاما انتشرت أصداء قيامة يسوع المسيح من الموت في كافة أنحاء الإمبراطورية الرومانية.
في هذه الحلقة سنستعرض الأدلة التاريخية المتعلقة بصلب يسوع المسيح وقيامته من الموت. في الواقع تعود هذه الأدلة إلى ما قبل 700 عام من زمن يسوع المسيح وهي مذكورة بشكل خاص في سفر النبي أشعياء.
من بين النبوءات اللافتة للنظر التي وردت في سفر النبي أشعياء تأتي النبوءة التالية: لأنه يولد لنا ولد ويعطى لنا ابن يحمل الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام. من الضروري للغاية ملاحظة أن هذه النبوءة تشير إلى ميلاد يسوع المسيح وتحمل له عدة ألقاب من بينها إله قدير وأبدي. تكشف هذه النبوءة أن المسيح سيجمع بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية في شخص واحد.
تعتقد بعض الأديان أن الله غير قادر على التجسد في صورة إنسان إلى أن النبوءات تظهر بوضوح قدرته على القيام بذلك.
قام النبي أشعياء أيضا بتسجيل نبوءة أخرى ذات أهمية كبيرة حيث ذكر في نبوءته أن شخصا سيأتي في المستقبل يسفه الله بالقدوس البار الكامل والذي سيلقى عليه كل العار والذنوب الناتجة عن خطايا البشرية. هذا الشخص سيقتل ليزيل تماما ذلك الخزي والذنوب بهدف جعل شعوب من أمم متعددة قديسين وطاهرين ومكرمين أمام الله ثم يقوم من بين الأموات.
كما أن النبي أشعياء تنبأ بمستقبل أبعد حيث سيعود هذا الشخص في نهاية التاريخ البشري باعتباره ملك الملوك الذي سيحكم السماوات والأرض إلى أبد الأبدين.
تم العثور على نسخة من سفر النبي أشعياء ضمن مخطوطات البحر الميت في كهوف قمران والتي يرجع تاريخها إلى فترة تسبق زمن يسوع المسيح. تحتوي تلك المخطوطة القديمة على هذه النبوءات مما يثبت بشكل قاطع أن هذه النبوءات كتبت بفترة طويلة قبل زمن يسوع المسيح.
تتضح هذه النبوءة القديمة الواردة في سفر النبي أشعياء بشكل أكبر عند دراسة الرؤية التي شاهدها النبي دانيال قبل حوالي 500 عام من زمن يسوع المسيح. في تلك الرؤية شاهد النبي دانيال شخصا ذا ملامح ابن الإنسان لكنه وصف أيضا بأنه الله العلي الذي سيملك على السماء والأرض إلى الأبد.
كان يسوع المسيح يشير إلى نفسه دائما بلقب ابن الإنسان وقام بذلك ليؤكد أنه هو ابن الإنسان الذي تنبأ به النبي دانيال.
عندما كان المسيح يحاكم أمام القادة الدينيين اليهود وطلب منه أن يوضح هويته أعلن لهم يسوع المسيح بأنه هو أنا هو وبالعبرية أهيه وهو الاسم الإلهي الذي يطلق على الله. أوضح لهم يسوع المسيح أنه هو ابن الإنسان الذي وصفه النبي دانيال في رؤياه والذي يعرف أيضا بالله العلي.
مزق القادة الدينيون ثيابهم ووجهوا إليه تهمة الكفر بسبب إعلانه أنه هو الله غير أن رفضهم الإيمان بأنه الله المتجسد كان من الأمور التي تنبأ بها أيضا النبي أشعياء.
بعد صدور حكم الإعدام بحق يسوع المسيح قام القادة الدينيون بنقله إلى الحاكم الروماني بيلاطوس البنطي لتنفيذ حكم الصلب.
تعلم بعض الأديان أن يسوع المسيح لم يصلب فعليا بل شبه لهم وصلب شخص آخر مكانه وأن المسيح رفعه الله إلى السماء. هذا التعليم غير صحيح.
كان صلب يسوع المسيح حدثا عاما وقع خارج أسوار أورشليم القدس وشهد عليه عدد كبير من الناس. كانت مريم والدة يسوع المسيح حاضرة في مكان الحدث برفقة أقرب أتباعه وتلاميذه وقد شهدوا بأم أعينهم عملية صلبه.
كان الجنود الرومان الذين نفذوا حكم الصلب معرضين للإعدام إذا ما تمكن يسوع المسيح من الهروب أو إذا تم استبداله بشخص آخر. لم يكن هناك أدنى شك في ذهن والدته وأتباعه المقربين منه بل وحتى أعدائه بأن يسوع المسيح قد مات مصلوبا وقد وثق المؤرخ الروماني تاسيتوس أن يسوع المسيح قد تم صلبه.
يعتبر صلب يسوع المسيح من بين الأحداث التاريخية التي تحظى بأكبر قدر من التأكيد والدعم من المصادر التاريخية لتلك الحقبة ومدعوما بأدلة قوية على حد سواء من المصادر المسيحية وغير المسيحية.
توجد ثلاثة أدلة رئيسية تثبت قيامة يسوع المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث بعد وفاته.
أولا وجد القبر فارغا في اليوم الثالث على الرغم من حراسته المشددة من قبل الجنود الرومان. أقر أعداء يسوع المسيح أيضا بأن القبر كان فارغا في اليوم الثالث وأنه كان تحت حراسة مشددة.
كان الجنود الرومان متواجدين حين دحرج الحجر عن مدخل القبر الذي كان يقع في مغارة بجبل وشهدوا قيام يسوع المسيح من الموت. قد أفاد بعض الجنود بأنهم شعروا برعب شديد لدرجة أنهم أصبحوا كالأموات نتيجة لهذا الخوف الشديد.
الدليل التاريخي الثاني يتمثل في أن مئات الأفراد شاهدوا يسوع المسيح على مدار عدة أسابيع عقب قيامته من الموت. في إحدى الحالات التي وثقها الرسول بولس ظهر يسوع المسيح أمام مجموعة تضم 500 شخص. عندما كتب الرسول بولس رسالته إلى المسيحيين في مدينة كورنثوس أشار إلى أن الغالبية العظمى من الذين شهدوا رؤية يسوع المسيح بعد قيامته كانوا لا يزالون آنذاك على قيد الحياة وبالتالي إذا كان لدى أي شخص شك أو تساؤل كان بإمكانه أن يستفسر من هؤلاء الشهود مباشرة.
الدليل التاريخي الثالث على قيامة يسوع المسيح من الموت يتمثل في أن آلافا من الناس في أورشليم آمنوا بقيامته بعد مرور خمسة أسابيع فقط على صلبه. كان هذا الأمر مستحيلا حدوثه لو بقي يسوع المسيح ميتا في قبره.
تشير السجلات التاريخية إلى حدوث تحول كبير انطلق من أورشليم في عام 33 ميلادية ابتدأ بإيمان آلاف الأفراد بقيامة يسوع المسيح من الموت ثم أخذ هذا الإيمان بالاتساع حتى شمل من عشرات الآلاف في فترة زمنية وجيزة.
أشار المؤرخ الروماني تاسيتوس والمعروف بمعارضته للمسيحية إلى الانتشار السريع والمفاجئ للمسيحية في كتابته اما يعكس تأثير المسيحية المتزايد في زمن مبكر من التاريخ الروماني في كتابه الحوليات الذي يؤرخ للفترة ما بين ال 14 ميلادية وال68 ميلادية.
وثق المؤرخ الروماني تاسيتوس أنه في وقت اندلاع الحريق الكبير في روما بعد 30 عاما فقط على قيامة يسوع المسيح من الموت كان عدد المسيحيين في مدينة روما قد بلغ أعدادا ضخمة مما يدل على الانتشار السريع والواسع للمسيحية في قلب الإمبراطورية الرومانية.
حوالي عام 110 ميلادية أي بعد 78 عاما على قيامة يسوع المسيح في مدينة أورشليم كان الحاكم الروماني غاسيوس بالينيوس المعروف باسم بالينيوس الأصغر يتولى إدارة إقليمي باتينيا وبونتوس الواقعتين فيما يعرف اليوم بتركيا وكانت تخدعان في تلك الفترة للإمبراطورية الرومانية.
وجه رسالة إلى الإمبراطور الروماني ماركوس اليبيوس المعروف باسم تراجان ناقش فيها مسألة التزايد الملحوظ في أعداد المسيحيين ضمن مقاطعته ملتمسا من الإمبراطور المشورة حول السبل المناسبة للتعامل مع هذا الوضع المتنامي والخطير.
كان بلونيوس الأصغر يلجأ إلى تعذيب المسيحيين وقتلهم في محاولة للحد مما وصفه بالانتشار السريع والخطير للمسيحية في المدن والقرى والمناطق الريفية الواقعة تحت سلطته وقد بلغ تأثير هذا الانتشار حدا دفعه إلى القول أن معابد الآلهة الرومانية أصبحت شبه مهجورة.
تشير الأدلة التاريخية إلى أن الإيمان بقيامة يسوع المسيح من الموت امتد شرقا ليصل إلى شبه القارة الهندية في غضون 70 عاما فقط من وقوع الحدث وذلك على الرغم من المقاومة الشديدة التي مارستها السلطات الحاكمة والديانات الوثنية التي سعت إلى كبح انتشار المسيحية باستخدام ما كان متاحا لها من وسائل السلطة والقوة.
وخلاصة ما تقدم يتضح أن هذا الحدث يتميز بطابع استثنائي في سياق التاريخ البشري. تعد المسيحية الديانة الوحيدة في العالم التي ترجع بدايتها إلى آلاف السنين قبل ظهور شخصيتها المحورية يسوع المسيح على الساحة التاريخية.
تنبأت نصوص العهد القديم في الكتاب المقدس والتي دونت قبل عدة قرون من مجيء يسوع المسيح بأن الله سيتجسد ويزور البشرية في هيئة ابن الإنسان.
إذا ما دلالة هذا الحدث بالنسبة لنا اليوم؟ يمكن تلخيص الإجابة بصورة واضحة في كلمات يسوع المسيح: قال يسوع المسيح من يؤمن بالابن فله حياة أبدية ومن يرفض أن يؤمن بالابن فلن يرى الحياة بل يبقى عليه غضب.
إذا كان لديك أي أسئلة، يمكنك معرفة المزيد من خلال هذا الموقع

